أعددتُ هذا المقال تحديدًا بعد جولة استخدام عنيفة للذكاء الاصطناعي في موضوع كان يشغلني منذ أعوام، وقد رأيت أن أعرض خلاصة خبرتي في الموضوع عطفًا على مقالي السابق عن رأيي فيه؛ والمقال ليس رأيي الأصيل بنسبة 100%، بل عدة توليفات فكرية جمعتها مع بعضها فيما رأيته الأنسب والأصوب.

المقال عن كيف يُزري الذكاء الاصطناعي بالمهارات التأسيسية.. الأوقع هذه المرة أنه (يورد الإنسان المهالك) وسأخبرك كيف.. المقال جاد تمامًا رغم النبرة التسويقية التي قد تظهر بين طياته وفي عنوانه.

وليس هدفي من هذا الدليل التوصية بهندسة الأوامر، التي يمكن أن يخلصها لك ChatGPT بسهولة، لتستخدمها مع Claude مثلاً، بل التوعية بالمخاطر الواضحة التي يختار بعض الناس تجاهلها، أو لا يدركون أثرها، ومتى نستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي بثقة، لو عُدَّت هذه الجملة الأخيرة صالحةً أصلاً.

قسمت طبيعة الاستخدام إلى ثلاثة اتجاهات:

  1. استخدامات هو قوي فيها بالضرورة.
  2. محاذير شديدة؛ لا تستخدمه فيها من الأساس.
  3. بين بين؛ كن حذرًا أثناء استخدامك.

نقاط قوة الذكاء الاصطناعي التوليدي

شخصيًا لا أستشعر أي تغييرات ثورية تقارب ثورة النقل والمواصلات مثلاً بعد بدء انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي.. ليس بعد عمومًا، وربما ليس في هذا القرن، إن فرضنا أننا سنشهد اختراقات ثورية أخرى. هذه نظرتي وأنا متشائم، فلا تلقِ بالاً لها إن كنت متفائلاً.

من الأشياء التي أستخدم فيها الذكاء الاصطناعي مثلاً، وأشعر بالنشوة فيها “وتأثيره الأكبر من وجهة نظري في الأشياء الصغيرة، إذ يزيل حواجز البدء ويعمل كرافعة في بعض المشاريع والمهام”، على رأسها:

  • البرمجة — خاصة الكود الروتيني والـ boilerplate. أنت تحكم على الناتج بخبرة حقيقية (المدونة الجميلة التي تقرأ من خلالها المقال، للذكاء الاصطناعي فيها اليد الطولى، لكن عندي مشكلة عويصة في استحالة جلب ملفات sitemap للموقع على Google Search Console، لا أعلم هل هي مشكلة في القالب الذي أستخدمه Quartz، وهل لها حل أم لا؟

    عمومًا يتيح لي الذكاء الاصطناعي في سعره الحالي، بالإضافة للسنة المجانية التي أمتلكها مع جيميناي وAntigravity مساحة واسعة للتحكم في المدونة وإضافة وحذف خصائص على النحو الذي أرجوه.. غير أني لم أمدد يد الذكاء التوليدي في شيء مالي ولا مشاريع على مستوى الإنتاج مثلاً.. لا زلت على البر.)

[!ملاحظة هامة] لا أنصح باستخدامه في المشاريع الضخمة؛ وقد قرأت في أكثر من مصدر أن المصيبة من الذكاء الاصطناعي تكمن في القيادات الغبية التي تستسهل استخدامه، وتحمله فوق ما يتحمل، فتصنع خرابًا على الخراب الأكبر. ومنه مشاكل كثيرة كتكلفة الدين التقني (Technical Debt)، أي تراكم الأخطاء البرمجية على فترة زمنية كبيرة، يقابلها تضخم خفي في تكلفة الإصلاح أو نحو هذا.

  • التنسيق والتحرير اللغوي: تدقيق, إعادة صياغة، ترجمة أولية. على عكس الشائع ترجمة الذكاء التوليدي سيئة، ولا أظنه سيستبدل المترجمين قريبًا، ويظهر هذا جليًا في النصوص المشكلة ذات الأسلوب المعقد والساخر، وقد عانيت مع مقال أحاول ترجمته لأجده كله يحتاج ضبطًا. ولكن على صعيد آخر، يقدم خدمة تحرير وتدقيق لغوي جيدة جدًا على مستوى تصيد الأخطاء الإملائية طبعًا، حتى الآن أسلوبه في الكتابة سيئ، وأنا خصيم من يخالف هذا الرأي.

  • البحث الاستكشافي السريع: “أعطني نقطة بداية في موضوع X” وأنت تتحقق بعد ذلك. فأنماط البحث العميق تقدم خدمات جيدة جدًا، ولكنها لا تغني عن البحث العادي ولا عن سؤال الخبراء.

  • الشرح التعليمي لمفاهيم معروفة: خاصة الرياضيات والفيزياء الكلاسيكية؛ في هذا الأمر هو ممتاز جدًا، ولكن تعوقه بعض المرونة الأصيلة في العقل البشري، مثال عند شرحه لمفهوم النهايات لا يترفق في طرح نقطة ديناميكية النهاية مقابل التعريف الرسمي الصارم الذي يمحو نقطة الديناميكية بالكلية.. لكنني، على ضوء التطورات الحاصلة في مشاريع مثل Lean (الذي يحاول إعادة كتابة البراهين الرياضية بطريقة توافق الحاسوب)، متفائلٌ جدًا.

الوضع الطبيعي لاستخدام الأداة هو أنها طوع يد صاحبها؛ المصيبة الكبرى حينما تُطيع أنت الأداة.. لا يجعلَنّك هذا النوع من الذكاء (ربما هو نوع خاص من الذكاء، ما هو الذكاء أصلاً؟) تتناسى أنها محض آلة وليست إنسانًا واعيًا يتحمل ضريبة أخطائه.

الطوام الكبرى التي يجب ألا تستخدمه فيها

يشيع عند بعض الناس أنسنة هذه الآلات، واللجوء إليها عند مواجهة المشاكل النفسية، فتتضخم عندهم الأنا وتزداد فيهم رذيلة الأنانية وشهوة الاستحقاقية، فأكثر الناس حقارةً قد يقول له ChatGPT مثلاً: أنت على حق! You are absolutely right! وهو في وادٍ والحق في وادٍ.

هذا غير مشاكلها السحيقة نفسها في استخدامه كعلاج نفسي.. وأذكر قصة المعتوه نفسيًا الذي أغراه ChatGPT بقتل أمه مثلاً. أعتقد أن المحادثة بين المعتوه وبين ChatGPT مثلاً قد أصبحت طويلة جدًا، فتسببت بالهلوسة.. وكان ما كان من المصيبة.

قد يفتح لك بابًا مغلقًا من أبواب التفكير.. قد يعينك على التأمل الذاتي، أما أن تتخذه خليلًا؛ فهذا ما لم نسمع به من قبل! والأكيد أنك لا تعتمد عليه في القرارات الحياتية خصوصًا الكبيرة..

لا تعطِ نصائح الذكاء الاصطناعي قيمة لا تستحقها

ظل يقنعني في محاوراتي معه أنني أملك مشكلة كبيرة في ملفي الأكاديمي؛ حتى تحدثت مع أحد الفضلاء الذين حققوا إنجازات عظيمة “بارك الله له” بنتيجة مثل نتيجتي تمامًا، ودلني على الطريق القويم، وأنا في عمى.

مثال آخر؛ طلبت منه تقديم ترشيحات لرسائل ماجستير تناسب أهدافي، بحيث أجد في إشراف القسم في كليتي ما يوافقها.. فلما عرضت العنوان على نفس الشخص الفاضل في الأعلى؛ قال لي بالعامية المصرية: “الموضوع دا اتهرى بحث”؛ والرجل يتحدث عن علم ومعرفة.. فقد حضّر فيه الدكتوراه، وله قبلها أكثر من شهادة ماجستير “بارك الله فيه ونفع به”.

في هذه الفترة كنت قد نشرت موضوعًا على الموقع السام “الناس فيه لا ترحم” المسمى academia.stackexchange وهو أخ موقع overflow من نفس الشبكة.. سلسلة مواقع قيمة جدًا في موضوعها، وفيه آلاف من الخبراء.. لكنهم ثقيلو الظل، لا يتورعون عن القول الخشن.

سألت فيه عن موضوع رسالة قوي، في ظل سخطي على مستوى الرسائل في القسم عندنا. كانت ترشيحات الذكاء التوليدي إما عبارة عن دكتوراه مصغرة، أو عن مواضيع مستهلكة.. لا شيء مفيد. ولكن البروفيسور الخبير على الموقع قال لي ما معناه:

ليس مطلوبًا من طالب الماجستير أن يصنع المستحيل؛ بل المرجو منه أن يعرف حدود توجيهه، فإن دلَّه المرشد على طريق.. فأولى مهاراته أن يدرك سريعًا ما إذا كان الطريق مسدودًا أم لا؟ وربما اختار موضوعًا مستهلكًا أو عاديًا، وتعاطى معه بشكل إبداعي.. أي أن السؤال الأدق: ليس ما تنجزه، بل كيف تنجزه؟ في هذه المرحلة من الدراسات.

لو تشقلب الذكاء الاصطناعي على رأسه؛ لن يأتيك بمثل هذه النصيحة القيمة.

ومثل ذلك: لا تستخدمه في الحكم على الناس.. ولا العلاقات، فأرجح الأحوال أنه سيعطيك تأكيدًا لا واعيًا على حكمك المسبق. ستقول له: فلان غدار لأنه فعل كذا وكذا، سيرد: إنه غدار ابن ستين في سبعين، وأنت تستحق الأفضل، ثم يسأل صديقك ذكاءه الاصطناعي، ليرد أنك أيضًا ابن ستين في سبعين.. وهكذا.

الذكاء الاصطناعي وهو يوافقك على كلامك.

المساحات الرمادية التي يُستخدم فيها

هل تعرف البدايات؟ قال عمرو دياب عنها: “حلوة البداياااات، كلها حكايات” وهذا بالضبط ما يصنعه الذكاء الاصطناعي، يبدأ بدايات جيدة، ثم يحكي.. يحكي فقط. لا حقائق، بل حكايات.

كان مثلاً قد اقترح كتابة الرسالة في موضوع ما، ثم جعل يقدم الحجج الكثيرة، بسبب طبيعة قسمي مثلاً في البحث في مناطق معينة، سيل لا ينتهي من المبررات.. الأولى مثلاً أن أسأل مشرفي أو أتواصل مع زملائي أو رئيس القسم.. حلول كثيرة. ولهذه النقطة أمثلة أوقع.

معضلة التوزيع المركزي

أكثر ما تتدرب عليه النماذج هو الحالات الشائعة. وهذه الحالات لا تناسب كل الناس.. مثلاً لو أراد شخص متوسط الدرجات البحث عن منحة من خلال الذكاء التوليدي.. غالبًا سيوجهه ناحية منح الامتياز الأكاديمي Academic Excellence.. في حين أن هناك نوعًا آخر من المنح التي تبحث عن الفئات الفعالة والبناءة في المجتمع..

ما سيوجهه ناحية هذه النقطة هو ذكر تقديرك بشكل مباشر.. سيربط كل حبال الدنيا بتقديرك.

ولن يقول لك لا أعرف.. كما أن هناك أشياء كثيرة خارج نطاق معرفته، وسيدلي برأيه فيها.. الأداة اللعينة لم تبرمج لتقول لا أعرف!!!!!!!!!

مثال الأكاديمي الذي نصحني من Academia Stack Exchange، وفر عليَّ العناء النفسي الثقيل في التفكير في عنوان مثلاً.. تراجع العنوان للمركز الثالث، وخفّ تركيزه بعدما كان لاذعًا.

هذه الإجابات العامة جدًا مدمرة جدًا في مواقف كثيرة جدًا. ولو استطعت لأضفت ألف “جدًا”.

ربما يلخّص نتائج كثيرة عن الموضوع الذي اخترت فيه الرسالة.. لكن أن يختارها هو؛ فهذه مصيبة.. لا غنى أبدًا عن البشر الحقيقيين.

كنت قد استقرأت أن المحتوى البشري سيصبح له وزن كبير لما فيه من الإنسانية، لكنني كنت مخطئًا.. سيصبح ذا وزن كبير بسبب إنسانيته، وجودته على حد سواء. كانت تلك فترة تفاءلت فيها بالذكاء بنفس القدر الذي تشاءمت منه كوني كنت كاتبًا للمحتوى.

في نهاية المقال؛ أسعد بأي تعليق أو شكر “لو وجدت نفعًا”. ولعل هذا دليل قصير جدًا في موضوعه، لكن عسى أن يفتح الطريق أمام كاتب جاد، ليتناوله بشكل مكثف.

جميع ما ورد في المقال يعبّر عن رأي صاحبه، الذي افتقد في المقال التصنيفات الأكاديمية السليمة مثل:

  1. Model Error
  2. User Error

وغيرها من التصنيفات. ومصيبة أخرى هي نقصان البيانات.. لا يمكن كتابة مقال كهذا دون بيانات تدعم أو تفند.

تشبع المقال بالشخصية، فقد كتبته في جلسة واحدة على مدار ساعة تقريبًا، وكان هذا القرار الذي سينتج مقالًا ركيكًا بعض الشيء خيرًا من تأجيله إلى أجل غير مسمى، والله ولي التوفيق.