أنشأت منذ ما يقربُ من شهرٍ مدونةً عليها مقالان من صنع الذكاء الاصطناعي واحد دليل استخدام خُصص لي؛ والآخر عن النهايات بتـعريف دلتا وإيبسلون. حيث يتخلص التعريف من حركية الدالة تمامًا، إذ أن تعريف الدالة يتماشى مع تعريف النهايات في طبيعته الطبولوجية.. كلاهما مبنيان على التعبير الشرطي المنطقي.. الرياضيات كلها تعبيرات شرطية منطقية. لكني لم أتوسّع في المقال حتى الآن لانشغالي بالدراسة والعمل أو البحث عن عمل.. وهو ما أرجو أن يكون قريبًا.
لكن لن أمل القاريء الكريم بالحديث عن الرياضيات لإن المقال سيطول.. ونبدأ على بركة الله: لا تلق بالا للكلام بالأعلى.
تقاطعت اهتماماتي مع عدة أشياء أخرى رأيت أن أسكبها في قالب واحد لما فيها من الفائدة دون الحاجة إلى التخلي عنها تمامًا بسبب فيروس المثاليـة.. وهي عادةٌ اكتسبتها في أيام تدويني الأولى. الأولى عن الذكاء الاصطناعي: وأنا شخصيًا لا أحب السردية التي تقتات على صحة الناس. أدركت طبيعة هذه السردية السلبية أثناء قرائتي لمقال سهيل بلوم العناوين السلبية تزيد من معدل النقر بنسبة 2.3%. ومعدل النقر بدوره يزيد من الربحية -ولو بشكل غير مباشر، ولكن فعّال- جميعهم يبحثون عن الربح.
الذكاء الاصطناعي وتآكل المعرفة التأسيسية والإنتاجية الزائفة.
النظر إلى التغيير الحاصل أو الشيء الكبير التالي The next big thing أو أيًا ما يطيب للأمريكان ذكره في طبيعتهم التخيلية Fantasy لدى الأمريكان مخزون هائل من الفانتازيا عُدي به الناس كلهم. كيف يطيب للمرء أن ينظر لهذه التغييرات في معزلٍ عن الاقتصاد والربحية؟ دعى إيلون ماسك في فترةٍ ما إلى تقنين الذكاء الاصطناعي ولجمه بالقوانين، ثم سرعان ما تناسى هذه الترهات بعد أن أنشأ جروك.. معظم العاملين في المجال يغيرون أقوالهم وآرائهم بعد فترة.
لا أحد يستطيع التنبؤ بحادثات الأمور، ولا أرى للأمر أهمية.. ما دمتُ مصقول الأساس وتفهم أساسيات وظيفتك.. فأنت بخير، ستستطيع الاستفادة من الذكاء الاصطناعي على أكمل وجه أو حتى الاستغناء عنه إن تطلب الأمر. المصيبة أن تعتمد عليه وأنت تمضي في غياهب المجهول.. كأن مسك سيفك العاجي، وتنطلق نحو طواحين الـvibe coding وأنت لا تلوي على شيء.. هذه مصيبة.
لا تدع بلهاء المحتوى المُتراكم وأبناء النظرة السلبية، أو حتى الانبهارات المتتالية تُثنيك عن الإلمام التام بأساسيات وظيفتك.. صدقني تأثير المشاكل غير المتوقعة مدمر.. وفي هذه النقطة أتبنى رأي نسيم طالب، الرجلُ في هذا الشأن لديه موقف حازم، لا تستشعر منه أدنى تردد:
المشكلة ليست في التكنولوجيا “الذكاء الاصطناعي” بل في بناء ضخم مترابط لا يتحمل الخطأ النادر
تماشيًا مع فلسفته الموزعة على كتبه التي بدأت منها قراءة Antifragile والكتاب مليء بالدرر، ويستحق القراءة، وإن كنت لا أخلو من الاعتراض عليه في بعض الأشياء..
الذكاء الاصطناعي يزيد الكفاءة، لكنه قد يزيد أيضًا «الهشاشة النظامية»؛ لأن الأنظمة تصبح أكثر ترابطًا واعتمادً على نماذج موحدة._
تبنيت آراء اثنين من العلماء في ماهية الذكاء الاصطناعي الأول: آرون آميس والثاني تيرانس تاو (الرأي متوفر في أكثر من موضع على الشبكة)_
في أن الذكاء الاصطناعي عبارة عن آلية مقارنة أنماط pattern matching الموجودة حاليًا على قدراتها الجبارة تمت للذكاء الاصطناعي في كونها ذكاءً “قدرة خلّاقة على الإبداع” في شيء أو أنها ذكاء مختلف كما يقول أخي الذي يعمل مهندسًا للذكاء الاصطناعي، وأني لأختلف مع أخي في هذا الشأن. وآميس تحدث في لقاءه عن صعوبة توصيل الروبوتات بأنظمة LLMs مثل chatgpt مثلا.. أي أننا في النواحي المكانية لدينا شيء من القصور الذي ليس بالدرجة التي يتخيلها الناس.. لسنا قريبين من فيلم I, Robot لويل سميث مثلًا ولا أظن “وهذا رأيي الشخصي أننا سنصل لهذه النقطة”
ومن تيرانس تاو: سمعت له حديثًا أننا لا ندرك سر الكفاءة الحاصلة في نماذج الllms بشكل كامل حتى الآن، فهي عبارة عن صندوق أسود.. أو لا ندركها بشكل كامل. لكننا “والكلام مني” نرى نتائجها بالبحث والتطوير والتجريب.
_يخلق الشكل الحالي من أدوات الذكاء الاصطناعي -في رأيي- نوعًا من المفارقة بين الحاجة الملحّة لاستخدامه “خصوصًا في التعليم والتعلم وبين الحتمية الراسخة في بناء أساس عقلي متين، في العلوم، أو صقل الذهن بالكتابة والأبحاث. وحتى في هذا الشأن فهو قاصر لا يفيد بالقدر الذي يشي به المستثمرون إلا في ظروف تحتم على الإنسان الجلد على التعلم، وفي هذا الشأن لن ينفعه الذكاء الاصطناعي أصلًا.
_الحاصل الآن أن الذكاء الاصطناعي يكتب التقرير ليراجعه ذكاء آخر.. أو يلخّص المقال الفلاني بدل قراءته أو يكتب المنشور بدلًا منـك على لينكد إن.. في دوامة استسهال كبير لا تنتهي.. حتى أنّ شيطانًا من شياطين اللغة دعى بعض الناس فاخترعوا لفظة الذكالي بديلًا عن الذكاء الاصطناعي..
تجربة شخصية
قبل التطور الحالي؛ بدل تعلم البرمجة كما ينبغي.. تكاسلت وابتغيت دون الطريق القويم سبيلا.، قمت في فترة مبكرة نبسيًا قبـل انتشار وكلاء البرمجة بـعمل إضافة للمتصفح باستخدام الذكاء الاصطناعي من الشات بعمل وضع القاريء.. ووضع القاريء موجود في كل جحر من المتصفحات، ولكن يغيب عنه وضع RTL.. وبسبب هذا الـRTL “right to left” أو التناسب مع التنسيق العربي، قمت بعدها بمزيدٍ من الأشياء.. بطريقة ما أقنعت نفسي أنني حققت شيئًا قيمًا ولكن الحق أنه هراء. هل كنت براغماتيًا كما ينبغي أم أن فرصةً عظيمة قد فاتتني؟
في فترةٍ من هذه الرحلة القديمة، طلبت من مبرمج على الفيس بوك إضافة زر RTL لإضافة مشهورة نشر صاحبها الكود المصدري على جيت هب.. فكان هذا خير الحلول.
أظنني قد قلت رأيي -والله المستعان-في الذكاء الاصطناعي الشرير الذي سيستولي على وظيفتك.. حتى الآن جميع تجاربي المرتبطة بالعربية، تقول أن القصور الحاصل لم يعوّض… جربت مؤخرًا رفع كتاب فن الترجمة والتعريب ثم جعل الذكاء الاصطناعي يترجم مقالا طويلًا معتمدًا على الأسس الهامة في الكتاب، فلم أرَ إلا نتيجة سخفية.. أفضل ربما بـ4% من ترجمة جوجل.. احتجت تعديل الكثير من النصوص والمعاني والتراكيب في كل فقرة تقريبًا.. غير أني أزعم أن المترجم لو استخدم الذكاء الاصطناعي ووجهه إلى أسلوبه هو في الترجمة فسيجد نتيجةً مثمرة.. وهو ما حاولت تطبيقه بصناعة companion أو رفيق المترجم طبعًا بالـvibe coding لكن البرنامج يأبى العمل والتوكينز تأبى الزيادة، والوقت لا يحتمل هذا الهراء.
حتمية التطور في المجتمع
أظن أن مسار التطور البشري كله قبل الثورة الصناعية شيء وبعده شيء آخر. أخذ منحنى التطور وتيرة سريعةً جدًا، وفي أيامنا هذه تسارع بشكلٍ أكبر خصوصًا في مجتمع البرمجيات. قبل العام 2019 كان إنشائي أو تخصيصي للمدونة التي تقرأُ منها المقال من غير خبرةٍ برمجية ضربًا من الخيال المحض أو أضغاث أحلامٍ (طبعًا لم أكتب هذا المقال in مدونتي، ولا أود نشرها الآن).. ولو طلبت من مطور أو شركة بناءها وتخصيصها على الشكل الحالي; لأخذ مني ثروة، جعلتني أزهد في الكتابة والتدوين كليةً.
هذا التطور تزامن مع ظهور شكل الحياة الصناعي؛ وظهور الطبقة الوسطى العاملة في المصانع.. كما أن شكل الحياة الصناعية قائم بطبيعته على الابتكار المتسار.. لعل مساهمات أشخاص مثل أديسون “أو تسلا؛ دون الخوض في هذا السياق الشائك” عظيمة شديدة التأثير.
لا أناقض نفسي في هذا الشأن مع ضرورة الالتزام أشد من أي وقتٍ مضى بالأساسيات الصلبة لكل شيء، وبين التطور المذهل في الذكاء الاصطناعي.. قد يشتكي المصمم أو المبرمج أو العفريت الأزرق، لكن أصحاب المشاريع الذين يستخدمون كلود لإصلاح مشكلات متاجرهم العاملة بنظام shopfiy شوبيفاي مثلا يعيشون أزهى عصورهم! لأن كلود لها تكامل مع شوبيفاي، وكما قال المتنبي:
بِذا قَضَتِ الأَيّامُ ما بَينَ أَهلِها … مَصائِبُ قَومٍ عِندَ قَومٍ فَوائِدُ
لكن أحب بيت طَرفة بن العبد كذلك:
ستبدي لك الأيام ما كنتَ جاهلًا .. ويأتيك بالأخبار من لم تزوّدِ
إني لأعترف أنه سؤال رزل كما نقول في العامية المصرية؛ كيف يمكن الآن ومستقبلا أن يتخلى أصحاب الأعمال عن العامل الدؤوب الذي لا يشتكي ولا يأكل ويعمل في أي وقت وكل مكان وبسعر رخيص ويفتح أحضانه إلى كاتب المحتوى أو المصمم أو المترجم أو أو خبير الـSEO مثلا؟
الجواب الذي يمكنك استنتاجه من المقال أصلا هو أن صاحب العقل الخبير أو حتى الموهوب لا يمكن الاستغناء عنه أصلا، آليات الأنماط في يد غير المتخصص ستؤول في تكوينها إلى المصائب، أو الهشاشة في النظام.. ولا بد لصاحب المشروع أن يعيد توظيف المتخصص لإصلاح هذه المشكلات.. كما يشيع فكاهةً بين المبرمجين عندما يتولى أحدهم عملا خلّفه الـvibe coder مثلا.. الموقع أو المتجر نفسه أصبح على شفا حفرةٍ من الهلاك، في حالةٍ كتلك لا يملك رفاهية التجريب؛ غير أن التجريب نفسه ليس رخيصًا، قد يكون رخيصًا الآن لكنني أظن أن الأسعار المستقبلية ستكون غالية.. حتى أن تكلفة توظيف كاتب مثلا ستكون أيسر.. العالم لا يعاني من أزمة طاقة من فراغ.
حتى الآن هذه إجابتي التي أنا بها قنوع.. وأحب أن أسمع أجوبة أخرى من السادة الزملاء والعارفين.
تاريخ أوروبا والدولة المعقدة.
أقوم بكتابة مقالة عن الإمبراطورية الرومانية المقدسة
ما هو الشيء المشترك بين الأنمي ومسلسل صراع العروش game of thrones ولعبة The witcher، ومنهج الدراسات الاجتماعية المصري للصف الثاني الإعدادي؟
الإجابة هي الإمبراطورية الرومانية المقدسة. التي قال عنها فولتير: أنها لم تكن إمبراطورية، ولا رومانية ولا مقدسة.. كانت الإمبراطورية كيانًا شديد التعقيد؛ حتى أنّ منهج الدراسات الاجتماعية تجنّب ذكرها بهذا الاسم الفخيم، واكتفي بأن تحدث عنها في الحملة الصليبية الثالثة(1189-1192)؛ حيث مرض الإمبراطور الألماني؛ وترتب عليه انسحاب الجيش الألماني من الحملة الصليبية.
طبعًا استهلالي بفولتير استهلال ضعيف ومستهلك
وصلت في أقصى اتساعها لألمانيا وفلورنسا والنمسا والتشيك وهولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ وسويسرا وشمال إيطاليا.. مساحة هائلة، صحيح؟ غير أن مناطق مثل فلورنسا كانت تتبعها بالاسم فقط؛ لها حكمها الذاتي، وسلطة سياسية مستقلة واقتصاد مزدهر.. مثلها مثل مناطق كثيرة من الإمبراطورية.
(مصدر الصورة؛ ويكبيديا)
![]()
كانت عبارة عن مساحة مترابطة متفتتة من الإمارات والدوقيات؛ وإمبراطور يقع اختياره على عاتق الأمراء الناخبين، ويستمد جزءً من شرعيته من البابا “ومن هنا جاء اسم المقدس”..غير ذلك يُسمى إمبراطور الرومان، وتكون سلطته عرضةً للتقويض. جدير بالذكر أنه رغم هذه التنازعات العتيدة؛ احتكر آل هابسبورغ الحكم لقرون عديدة.
معلومة جانبية: لعلّك شاهدت في وثائقيات الرسام النمساوي الشهير ذي الشارب القصير كلامًا عن الرايخ الثالث؛ هذه الإمبراطورية “التي سئمت من كتابة اسمها الطويل، هي الرايخ الأول”، الثاني هو توحيد الأمة الألمانية على يد المستشار الألماني الأوّل أوتوفون بسمارك.
طبعًا هذه التقسيمات؛ تقسيمات حديثة، وردت في القرن العشرين تعزيزً للصورة النمطية عن نقاء الشعب الآري، ولا أدري كيف طاب لهم الحديث عن النقاء ولم يكونوا كيانًا موحدًا على مدار تاريخهم..
البدايات التاريخية، والنشأة الأولى
ولد هذا الكيان المعقد في محاولة لإحياء أو استكمال إرث الإمبراطورية الرومانية الغربية بعد سقوط الأخيرة عام 476. جاءت البداية مع تتويج ليو الثالث للإمبراطور شارلمان أمبراطورًا للرومان عام 800مـ
بعد انيهار روما لم يبق من شرعيتها إلا الكنيسة الكاثولوكية.. يجب أن تعود روما عظيمةً مرة أخرى. ومن خيرٌ من البابا ليضفي على هذا الوريث الجديد شرعية السماء والأرض؟ كانت الوضع أشبه بالصفقة بين البابا والإمبراطور.. استطفحل الأمر للباباوات؛ حتى دخلوا -فيما بعد- لعصر الباباوات المتحاربة (1378-1417) حين ادعّى ثلاثة باباواتٍ أنهم البابا الحقيقي.. لكن هل تعلم من هو البابا؟ ميسي هو البابا. “المعذرة على هذه المزحة الثقيلة”
مع إعلان البابا ليو؛ صدح صوتٌ في الكيان الأوروبي عن إمبراطور جديد، ورغبة عارمة في توحيد القارة.. شارلمان نفسه هو الذي تصدّى لعبدالرحمن الداخل في معركة ممر رونسفال.. ولكن هذا حديث لميعادٍ آخر.
البداية والتأسيس الفعلي
كان شارلمان إمبراطورً قويًا مُنح لقب إمبراطور الرومان.. تُوج وهو على رأس كيان قوي فعلًا. وسرعان ما تدهورت الإمبراطورية الكارولنجية بعد وفاته، وتوزعت بين أبنائه.
تاريخ الإمبراطورية الرومانية المقدسة مهم لفهم طبيعة العلاقة بين الشرق والغرب.. ليست جملة مستهلكة، الأحداث الجارية لمن له بصيرة مرتبطة بالإمبراطورية بطريقةٍ أصيلة. طبعًا لازلت أقرأ الكتاب وعند اكتماله قد أخصص سلسلة مراجعات عنه إن شاء الله.