←العودة لجميع الشذرات
2026-10-08💡

في مديح نخل البرلس!

يحتلّ المنظر العام من فوق أسطحنا مشهدين يمتدان ما امتدت عين الناظر، الأول هو منظر الكثبان الرملية التي يبلغ جمالها غايته إبّان الغروب في تلك الساعة القصيرة التي تجلس الشمس عليها، ثم سرعان ما يصيبها الضجر ويحلّ الليل، غير أن عيني لا يصيبها الضجر من هذا المنظر البديع.. والثاني هو أشجار النخيل الممتدة.. نخلُ البرلس عالٍ، وشديد ويتحمل الدهر وثقل الناس عليه. وأنواعه شتّى؛ أشهرها الحيّاني والعُرابي وبنات عيشة. والنميري الأصفر الذي لم يعد يظهر إلا في الترب ومنطقة الترب “المقابر” كانت تسمى السمارة، إذ تظهر من بعيد سوداء اللون بسبب المعادن الموجودة في الرمال، ولا عجب أن بُني في عهدنا “مصنع الرمال السوداء”، وهو طيب المذاق، ومنه تُصنع العجوة ولدينا نخلةٌ غريبة الثمرة تسمى بنت فرخة. وهي تسمية عجيبة.. ولا نبيعها، بل إنّ من بين أقاربنا في محافظاتٍ أخرى من ينتظر ميراثه من هذه النخلة بالذات..

رأيت ذات مرة ابن عمٍ لي وهو يجهّز سيارةً ذاهبةً لرشيد، فسألته متعجبًا، أليس في رشيد نخلٌ؟ قال نعم، ولكن ليس عندهم بنات عيشة. وهي بلحة صغيرة مسمسمة. كلما مّر ذكر النخيل أذكر موقفين، السيدة مريم عليها السلام في قوله تعالى: “وهزّي إليك بجزع النخلة” نالت النخلة دون سواها هذا الشرف، ونحن نحبها لإنها شجرةٌ شريفة، أبية.. كل شيءٍ فيها له نفع. أكتب هذه الكلمات وأنا أجلس فوق كرسي من جريد النخل، وكنت صغيرًا أحمل “قفة من خوص النخل” والناس تبني أعشاشها من النخل الساقط، وعند سقوطه يأخذون الجمّار.. ويكنسون البيوت بإيسة هذا النخل.. فحقيقٌ بالنخل أن يكون شعارًا للبرلس بدلا من البحيرة الملوثة إياها.

والموقف الثاني هو حديث سيدنا عبدالله بن عمر؛ “مثل المؤمن كالنخلة” فليته قالها. المؤمن كالنخلة المؤمن كالنخلة. ألا ليتني نخلة! بس نخلة ذكر. أعتاد عمي أن يصعد النخل وأبى أبي إلا أن يتمّ تعليمه.. بجانب عمله في النجارة. واعتاد جدي أن يصعد النخل.. وربما أبوه أيضًا. وربما جده كذلك.. صعدت أنا فوق نخلة ذات يومٍ وقلت شعرًا:

صعدنا أعالي النخلِ فهْي ذلولُ

وفينا لدى نجم السماء قبولُ

حكى الليلُ عني واستعار قصائدي

وحاكيته فيما يكاد يقولُ

ولم أقل شعرًا في جمادٍ غير النخلة.. فهي خليقةٌ أن ينظم الشعراء فيها الدواووين وأن يخصوا نخل البرلس بخصيصةٍ من المدائح.. فينشأوا لها شيئًا مثل النقائض. النقائض البلحية مثلا. وقد منّ الله علينا فنمى عندنا النخل البرحي.. وهي نخلة قصيرة، ولكنها أحلى من العسل المصفى. يسّر الله لها الهوان والسعة، فنمت في الأرض ولم يعلُ طموحها، وكانت رحيمةً بالقاطفين.