←العودة لجميع الشذرات
2026-09-30💡

التعليم والترقي الاجتماعي في مصر وشرق آسيا، أكون أو لا أكون!

راعى محمد علي في بداية دولته التعليم لسدّ احتياجات الدولة الاقتصادية والحربية، غير أنها كانت دولة عنيفة استغلت الفلاحين بل وحتى أطفال الشوارع كما ذكر المؤرخ خالد فهمي، وقد مهدت للخراب فيما بعد. ثم حدث ما حدث، وأمطرت علينا سحب التعليم المجانيّ، وشهد القرن الماضي ما شهده من صعود الطبقة الوسطى.

وإن كنت أرى أن التعليم المنزلي المنسدل من تحت عباءة التعليم الأرستقراطي أو ما يوازيه في الدراسة المنهجية عن العلماء في التراث الإسلامي أجدر وأعلى شأنًا إلا أن هذا موضوع آخر. وقد أجاد فيه إريك هويل. مقاربة التراث الإسلامي من عندي.

جرت العادة في مصر في عهد المماليك/العثمانيين أنّ الترقي على ثلاثة أشياء؛ إما المسار الحربي في الجيش، أو التجارة وأخيرًا المسار العلمي من خلال الأزهر، الذي تطور بدوره مع المدارس الحديثة في الدولة العلوية.. غير أنّ صعود الفلاحين والطبقات السفلي من المجتمع كان محدودًا. واقتصر الترقي بدرجة كبيرة على الشراكسة والأتراك ومن كان من أهل هذا النسب، مثل شوقي وحافظ والبارودي.. والعجيب أنّ الثلاثة من أعلام الشعر العربي. ومن القلة الذين بذخ نجمهم من غير هذا الأصل هو طه حسين، وعلي مبارك الذي تصلح قصته فيلمًا سينمائيًا من الطراز الرفيع.

في بدايات القرن الماضي، بدأت طبقة جديدة تظهر على الساحة بسبب التوسع الاجتماعي “طبقة الأفندية” وصارت الشهادة الابتدائية غالبًا بوابة لهذه الوسيلة. حتى انفتحت الكلية الحربية لأبناء الطبقة المتوسطة سنة 1936 وكان من مآلاتها ثورة يوليو في مصر.

وصلت ذروة هذه الحال في عهد عبدالناصر. بعده السادات شهد المجتمع المصري تحولات كبرى.. وأصبحت وسائل الترقي مرتبطة بعوامل خارج مصر، مثل السفر للخليج العربي.. وشهدنا زيادة المدارس الخاصة ثم بعدها بعقود قليلة الجامعات الخاصة. أي أنّ نسب التعليم لم ينقطع أبدًا. فمن ذهب إلى الخليج ذهب مدرسًا أو مهندسًا كان خير ممن ذهب عاملًا فقط.. وحتى العامل سعى في تعليم أبنائه ليضمن لنفسه مكانةً.

من هذه التحولات ظلت هناك حقيقة واحدة ثابتة لا تتجزأ: لا بديل عن التعليم. لكنّ ما أثار اهتمامي هو الثانوية العامة.. فما كان يكفيه شهادة الابتدائية كبر واستفحل. والثانوية العامة بحكم الزهد الحالي في بناء الجامعات الحكومية، والعدد الهائل من الطلاب كل عام شرًا لا بدّ منه، وإن لم يغفر لها الغش مثلا.. ولا مجال لذكر المناهج بسوء لأنّ هذا ليس هدفي. إنما ما لفت انتباهي هو تشابه هذا النظام مع الصين.

كانت الصين الإمبراطورية مجتمعًا طبقيًا شديد الطبقية، تعصف به الكوارث فتنهي الأخضر واليابس..في أزمنه مثلا لم يكن يتجاوز تعداد مصر 10 ملايين.. كانت الكوارث تعصف بالصين بمعشار هذا العدد أو أكبر.

مثل فيضانات النهر الأصفر التي راح ضحيتها 900 ألف إلى مليون شخص. في حين أن تعداد مصر كان 6-7 ملايين فقط.

برز في الصين نظام الامتحانات الإمبراطورية وكان المنهج الأساسي هو النصوص الكونفوشيوسية.. التي ترى الاجتهاد قيمة أخلاقية واجتماعية لا فكاك منها.. بل إن ضدها من الرزائل والموبقات. ومن الصين انتقل إلى كوريا وفيتنام.. وبصورة أخفّ في اليابان. ولكن حتى هذا الامتحان كانت له تكاليف لا يستطيع تحملها بأريحية إلا الأسر الغنية.. كانت فرصة العمر وتكلفة الفرصة البديلة كبيرة بنفس المقدار.

أدى هذا الأمر إلى ظهور الغاوكاو أي الامتحان الوطني الموحد للقبول في التعليم العالي، وله نفس نتائج الثانوية العامة من حيث أنه اعتماده على الدرجات والرغبات.

أما في كوريا فيعرف باسم السونونغ: ويستمر ثمانية ساعات! وله نفس المنطق السابق تقريبًا.

وفي اليابان يُعرف بالاختبار المشترك/الموحد.ويؤهل للجامعات ثم من الجامعات تمتد اختبارات داخلية أخرى للكلية.

خُفف أثر النصوص الأخلاقية وبقي أثرها في الترقي، في منافسة شرسة بين آلاف الطلاب كل عام. كان الغاوكاو وليدًا غير مباشر للكونفوشيوسية أما في مصر، فتطورت نتيجة التنافس على الوظائف والمقاعد المحدودة من الجامعات حديثة النشأة.. هذا إذا لم يكن في وصفي اختصاراتٌ مخلّةٌ.

لا أعلم هل يمكن أن نقدم بدائل أكثر نضجًا عن الشكل الحالي؟ كالبكالوريا “بكرة نعد جمب الحيطة ونسمع الزيطة”. ما لفت انتباهي هو التشابه وتطور أنظمة الترقي الاجتماعي.. وكيف أن التعليم هو أسلم الطرق
لن تنتهي المعاناة أبدًا ما دُمنا أحياءَ نُرزق.