جميعكم حمقى وأنا علاّمة هذا الزمان الوحيد!
أجزم أن المعنى الكامن في أسوار هذه الجملة يظهر بشكل اضطرادي في وسائل التواصل الاجتماعي. بدرجاتٍ مختلفة، لن يختفي التنظير والهبد من المجتمع أبدًا.. فالإنسان كائن مفكر لا يحتمل الفراغ ولكنه يأوي أحيانًا إلى البط! وقد ولّدت هذه التقنيات الحديثة فيه طرقًا ملتوية في البحث عن رغائب الحياة الأساسية، مثل الاهتمام والمحبة، فطفق يبحث عنها في المشاركة والإعجاب share and like. وهي أفعال إدمانية تامة الإدمان وفق تعريف الإدمان الحديث.
وعلامة مواقع التواصل الاجتماعي الأصيلة هي تصدّر المشهد الولع الكامل بالمجاريات. لا بدّ أن يتصدر المشهد شخصٌ ما، وإلا عدتها الخوارزميات مصيبة أو عيبًا. في هذا أتذكر سلوك أحد كبار الممثلين إذ صار يشارك بنهمٍ منشوراتٍ تمتدحه، ثم يغير أصحابها تلك المنشورات -فيما بعد- لمحتوى يسخر منه! فصاحبنا هذا وقع في رغبةٍ شديدة في أن ينال مديح الناس.. والمصيبة الأخرى أن الناس صارت تستجدي في مشاركته لمحتواهم نوعًا من الإنجاز الزائف، وهي صفة يغفل عنها البعض أحيانًا.
أثناء بحثي عن التنظير وقد ارتضيت لهذا المقال أو التأصيل أن يكون التنظير ميزانًا لمقاربة الأفكار.. ومن عباءة هذه المقاربة تخرج الترهات التي يراها الإنسان على مواقع التواصل الاجتماعي. ثم فكرت أنه ظاهرة أصيلة بحيث يمكن أن تتموضع رياضيًا. فكرت في البداية في منحنى جاوس، غير أن منحنى جاوس أحادي البعد، لا يتعامل إلا مع قيمةٍ وحيدة.. فكانت فكرة خاطئة. ثم بعد لأيٍ واستشارة مع جيميناي خرجت بالصورة التي في الأسفل.

هذه الصورة/المصفوفة Knowledge Value–Expression Density Matrix مصفوفة القيمة المعرفية وكثافة التعبير، الصورة في حد ذاتها لا تثبت شيئًا إنما تعين على سهولة التصنيف ليس إلا وليست مدخلا أكاديميًا رزينًا في حد ذاته. ولكنها مدخل قديم وقد تشابهت مع مقولة سمعتها قديمًا، تُنسب للخليل بن أحمد الفراهيدي:
الرجال أربعة
- رجل يعلم ويعلم أنه يعلم: فذلك «عالم / حكيم»، وهو الشخص الذي يمتلك المعرفة ويدرك قيمتها؛ فاتبعوه.
- رجل يعلم ولا يعلم أنه يعلم: فذلك «ناسٍ / غافل»، وهو من لديه علم ولكنه يغفل عنه أو ينساه؛ فذكروه أو نبهوه.
- رجل لا يعلم ويعلم أنه لا يعلم: فذلك «مسترشد / جاهل»، وهو من يدرك نقص معرفته ويسعى لطلب العلم؛ فعلموه.
- رجل لا يعلم ولا يعلم أنه لا يعلم: فذلك «أحمق»، وهو الشخص الجاهل بجهله، ولا يتقبل النصح؛ فاجتنبوه.
جميعهم منظرون حتى إشعارٍ آخر!
أثناء تصفحي على تويتر/إكس وجدت هذه الصورة

المعطيات التي فيها:
- رجل غني
- يتخذ سلوكًا غذائيًا معينًا.. وله عمرٌ مديدٌ
النتيجة من وجهة نظري؟ لا شيء! حرفيًا لا شيء!
ومن النواقض على هذا الادعاء أنّ سيدةً في قريتنا “والأخبار في الجرائد، ويمكن الولوج إليها من خلال موقع تراث مصر” عاشت 111 سنة وكان ذلك في العام 2001 أظنها ماتت بعدها بأعوام قليلة.. لم تكن غنية، وقد ظهرت تطلب من الحكومة معونةً تعينها على نوائب الدهر متوسلةً ببطولات ابنها الذي استشهد “نسأل الله أن يتقبله في الشهداء” في واقعة شهيرة جدًا.. وقد فُوجئت حينما قرأت مع من مات.
فهذا مثالٌ مضاد على هذه الحالة التي تروّج لها التغريدة التي في الصورة ولا يوجد استنتاج فعلي منها: هو إذا شربت الكولا ستعيش حتى تبلغ 95 سنة من العمر أو إذا كنت غنيًا ستعيش حتى الـ95 أو إذا كنت غنيًا وتشرب الكولا خمس مرات ستعيش حتى الـ95.. وما الصورة إلا عن رجل غني عاش حتى 95 وقد فاقته في العمر جارتنا التي عبرت المئة، وفيه ثلاث مغالطات منطقية هنا:
١. تحيز الناجين (Survivorship Bias): ماذا عن البؤساء الذين شربوا الكولا ولم يشربوا المياه ولم يعيشوا حتى الـ50 من عمرهم؟ مثال واحد لا يثبت شيئاً. ٢. المتغيرات المُربِكة (Confounders) متاح لبافيت أفضل رعاية صحية، ولو شاء لاشترى الأفضل.. وقد عاش أبوه عمرًا طويلاً هو الآخر، فللجينات دخلٌ في هذا. يذكرني بالهالكة إليزابيث الثانية التي عاشت 96 سنة، وعاشت أمها فوق المئة، ولا زال ابنها في صحة جيدة.. غير أخواتها.
٣. الاستنتاج من n=1 عينة من فرد واحد لا تستطيع أن تثبت ولا تنفي أي علاقة سببية. ما الأمر إلا حكايةٌ
وطبعًا الأعمار بيد الله سبحانه وتعالى.
كان هذا نموذجاً من التنظير العالي، والإنصاف يقتضي أن الرجل لا يصرح مباشرةً ببدعة سخيفة مثل استبدال شرب المياه بأي سائل آخر. لكن الرغبة السخيفة في إثارة الجدل تضر الآخرين من حيث تفيد صاحبها. مثل نظام العبطيات “الطيبات” على صاحبه من الله ما يستحق..
فقد استضافه قومٌ وساعدوه على عرض أفكاره فنالت نصيبها عند الأدنياء واستفرخت في عقول ذوي الجهالة.. فمات قومٌ جرّاء أفعاله ظلمًا. استضافه إعلاميٌ شهير في مصر، وأبى حذف اللقاء معه، للطبيب الهالك كاريزما طاغية عند بعض الناس لأسبابٍ لا مجال لذكرها، والواقع يشهد ولم يحذف اللقاء إلا بعد أمر من مسؤول عالٍ في مصر. وهذا نموذج من التنظير الحقير المتواري تحت ستار أدبيات الحوار، وما شأن الإعلامي بالطب؟ ولا أزعم إلا أنه وقع تحت تأثير هالته السامة.
وكل تنظيرٍ له من الحق قدر وأكثر التنظيرات إنما تبهر لأنها تضرب في النفوس أصولاً ثابتة ورغائب كامنة.. كأن يصيبك منها التحميل المعنوي فتفتح له النفس أبوابًا مثل العلّامة الجهبذ خبير التجارة والنجارة والعالم بالمكامن الغدارة الذي ألقى حبائل معرفته علينا وأدلى بدلوه العريض ونطق رأيه البغيض.
فقال ما لا يُحسن عقباه: أن العربية لا تصلح لغةً للبيزنس! ولعل البيزنس “سوق العمل” في مصر يقر بهذه الحقيقة جزئيًا، فيتداخل عند أصحاب الشركات حشر “وحشو” الكلام العاميّ بمصطلحات إنجليزية، لكن الواقع شيء، وادعاء أن العربية لا تصلح لغةً للبيزنس شيء، هذان مساران متوازيان. الأحرى أن يقول العربية لا تصلح للبيزنس بسبب 1. 2. ..إلخ. أما تصريحه المجرد فقد ملأه الغبار.
والناس تتبع خطاه وخطى الأغنياء على شاكلته، وتنهل من كلامهم ما استطاعت عسى أن تُبصر في أفعالهم السر الكامن والطريق الآمن، ولا أحسب أن محتوى مواقع التواصل من هؤلاء القوم فيه ما يفيد أو أي محتوى عمومًا.. فكل شيء بالتجربة والخبرة وليس بالكماليات والظنون، والعيش في كنف الفانتازيا.
وإني لأعذُرُ الناس إن مالوا إلى ما يقيم الأود، ويسد العوز ويفلق جدار الحاجة وينهى عن المذلة، فلا أرى غرابةً إن توهم أن الغني حكيمٌ لغناه، وأن الفقير فقير ضال خطّاء لا لشيءٍ إلا لفقره! فالفقر أم الآفات ورأس العلل.. ومما يُنسب لسيدنا علي رضي الله عنه:
لو كان الفقر رجلًا لقتلته
أما تنظير الرجل العادي الذي لا ضرر منه ولا ضرار فهو تعبير عن الرأي وليس تنظيرًا أصلاً، وهي جملة ما يجري أو ينشره على مواقع التواصل في حياته اليومية لسببٍ لا يعلمه إلا هو. فهو خارج عن مدى
لماذا التنظير وما المقصود بالتنظير أصلا؟
مقالي عن ضحالة الجودة المعرفية وكثرة الكلام تحديدًا.. وليس كل تنظير وجب أن يكون ضررًا. وإن كنا في هذا المعنى في محاجة اللغة نفسها.. فمعنى التنظير فيها هو: (التنظير مصدر نَظَّرَ، قاموس المعاني).
- “تَنْظِيرُ شَهَادَتَيْنِ” : الْمُقَابَلةُ بَيْنَهُمَا.
- “تَنْظِيرُ أفْكَارٍ” : التَّأمُّلُ فِيهَا مَلِيّاً لِوَضْعِهَا نَظَرِيَّةً.
أي أننا نقارن بين كائنين كانا، أي نعدل بينهما.. فمن أحسن التنظير فقد عدل، ومن أساء فقد ظلم.
أريد قدر الإمكان في مقالي هذا أن أتناول التنظير من جهته التي هي في ظاهرها نصائح، وما أغلب النصائح إلا مهالك.. وعجيبٌ أن يسمع الإنسان النصيحة ممن لا يحسن النصيحة، والأعجب أن يتفضل بها كذاب، والعجب كله في نصيحة الفاجر المدلّس. والأوقع عندي أن التنظير إنما ينحسر في آراء الجهّال، بل أهل الجهل التام، الذين يصوغون النصائح وملء أفواههم ثقة..فليت القطيع خلفهم يهدأ! وقد قلت شعرًا في هذا قديمًا:
القوم صاروا إمعة .. من سار قد ساروا معهْ ليت الحمار يقودهمْ .. للخير فوق البردعةْ
وإنّ كثيراً من الناس لا يلتفتون للمنظّر لأنه أقنعهم، بل لأنه يخدرهم أنهم صاروا من “المصطفين الأخيار الذين فهموا الحقيقة”، فيتحول الرأي إلى شارة تميز اجتماعي. عندها يصبح التنظير قريبًا من التفاخر المقنع أكثر منه من التفكير.
وعند كبار المنظرين قدرة بارعة على سلب أوتار الأحلام، فالمرء يتيه عشقًا في الفانتازيا، والمنظرون يحبون هذا.. سيستولي الذكاء الاصطناعي على الوظائف، للغنى أسرار لا أحد يعلمها إلاي. الهجرة هي الحل.. إذا لم تستطع السفر، فتزوج.
وهو من التبسيط السخيف والمخل أن تصدق أيًا من الادعاءات التي في الأعلى.
مشاكسة شبه فكرية بين مُختلفين في الرأي
أثناء تصفحي للشابكة صادفت حواراً تعب صاحبه فيه، وفي تصنيفه.. وكان غريمه ناقمًا أشد النقم من الأوضاع، يحملها ويحمل نفسه ما لا تطيق، وقد هاجر إلى إحدى الدول في الغرب، لمست من هذا الحوار نمطًا قريبًا إلى ما أحاول قوله، وأفشل في التعبير عنه أحيانًا.
لخصت الحوار بـ ChatGpt، وأرى أن أحدهم أعلم من أخيه وأدرى بأدوات الحوار، ويهوى استخدام الأساس الاصطلاحي وتوضيح أي مغالطة منطقية ظهرت في حواشي الكلام.. هكذا دار الحوار بينهما:
أ: ينقل واقعة عن دكتور رياضيات نظري قال فيها إن طالب الهندسة غالبًا يبحث عن أي علم يحقق له عائداً مادياً. الطرح هنا مبني على تعميم مهني يختزل الدوافع الإنسانية في عامل واحد: المنفعة المالية، ويُفهم منه ضمنيًا مقارنة هرمية بين التخصصات أو أن “الهندسة = بحث عن فلوس”.
ب: يهاجم الفكرة بوصفها قولبة نفسية واختزالًا معرفيًا. يرفض التعميم على أساس الانتماء التخصصي، ويعتبر أن هذا النوع من الخطاب يقع في مغالطات منطقية متعددة:
- Fallacy of Division / التعميم على الأفراد داخل الفئة: افتراض أن ما ينطبق على بعض المهندسين ينطبق على كل مهندس.
- Academic Tribalism / القبلية الأكاديمية: تحويل التخصصات إلى هويات متصارعة بدل كونها أدوات معرفية.
- Appeal to Authority في نقده الضمني لفكرة الاعتماد على لقب “دكتور رياضيات” كأنه معيار صحة.
ثم يوسع النقد إلى فكرة أن القيمة في الفرد لا في الانتماء، ويستشهد بأمثلة تاريخية مثل انتقال مهندسين إلى إنتاج رياضيات مجردة (مثل شانون)، لتفكيك الفجوة المصطنعة بين الرياضيات والهندسة. الخطاب عنده تنظيري من الدرجة الأولى: ينتقل من واقعة بسيطة إلى بناء إطار فلسفي عن العلم والهوية والمعرفة، ثم يستخدم لغة منطقية كثيفة لتفكيك الطرف الأول.
ج: يتدخل أولًا بتأطير اجتماعي للنقاش، معتبرًا أنه خرج عن الموضوع الأصلي للمنشور. ثم يقدم تفكيكًا مزدوجًا:
- يرفض التعميم مقابل الواقعة: أي أن نقل تجربة شخصية لا يساوي حكمًا كليًا على فئة.
- وفي نفس الوقت يرفض شيطنة الدافع المادي، معتبرًا أن “البحث عن المال” ليس خطأً في ذاته.
خطابه هنا براغماتي تصالحي، يحاول سحب النقاش من مستوى “المغالطات والمنطق الصدامي” إلى مستوى “تعدد الدوافع البشرية”. **ج نفسه منظر كبير، وقد أنهى الحوار بشكل ناقص، لأنه صديق مقرب لـ “ب”.
وعلى هذه الشاكلة تدور الكثير من هرائيات مواقع التواصل التي غاب عنها التواصل.. إنسان يفهم وجاهل يأبى أن يفهم.
النص ملكاً: عن سلطة النص وتأثير الاقتباس
كان هذا عنوان مقال قديم لي، فتنت بالعنوان، ولم أحسن كتابته.. والمقال من مبكر ما كتبته إطلاقًا، كنت أحاول فيه أن أبيّن أن اقتباسات العظماء والمشاهير ليست حقائق ولا مقدسات تمنع الإنسان من التفكير إنما هي آراء جاءت من بشر، يلزمها ما يلزم النقد والمنطق من الأحكام
يقول الأديب المصري الكبير أنيس منصور في أحد اقتباساته: “إذا كنت تصدق كل ما تقرأ؛ فلا تقرأ”، وهذا في حد ذاته اقتباس، يضع المرء في شيء أشبه بالمعضلة الفلسفية؛ فإن أخذت به فقد خالفت الوصية، فهو ضمن ما يقرأ، ما لم تكن سمعته من الكاتب الذي وافته المنية في العام 2009.
ولعل أبرز ما فيه هو استشهادي بالملاحظة البارعة للدكتور أحمد خالد توفيق رحمه الله، التي تحدث فيها عن رصيد الثقة، الذي يتيح للكاتب أن يلقي بأحمال رأيه على قمم أمجاده السابقات. وقد تساءلت في أثناء الكتابة، هل حريٌّ بالإنسان أن يتبنى موقفاً حادً دائمًا ويتعصب له ويحاجج له ما استطاع إلى ذلك سبيلاً؟ هل مآلات الأمور دائمًا ما تكون قطبية؟ إما أن تموت أو تعيش؟ورد عن الرئيس الأمريكي كينيدي أنه قال ذات مرة مقتبساً دانتي:
“إن أشد الأماكن حرارة في الجحيم مخصصة لأولئك الذين يحافظون على حيادهم في أوقات الأزمات الأخلاقية الكبرى.”
غير أني،
أثناء بحثي عن مصدر الاقتباس، وجدت أنه ينسب لكينيدي فعلاً، وينسب تارة أخرى لمارتن لوثر كينغ والاقتباس أصلاً لا ينتمي لأي من الثلاثة أصلاً بل هو تحريف عجيب لمفهوم دانتي نفسه عن الحياد حيث لم يرد الحياد عنده إلا في ذكر ثورة لوسيفر “الشيطان” على العرش السماوي فبقي نفرٌ من الملائكة معلّقين لم تقبلهم السماء ولا الجحيم.. فلوسيفر أو إبليس في الكاثولوكية هو أمير الجحيم أو الظل المساوي للرب تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا في الأرض والاختلاف الشاسع بين ظل الله على الأرض و”إن كيد الشيطان كان ضعيفا” عظيم جدًا.
بدأ اقتباس دانتي يتجلى في أمريكا عقب إعلانها الحرب على ألمانيا أثناء الحرب العالمية الأولى تحديدًا عام 1917، ولم يكن بصيغته الحالية، بل كان: “أولئك الذين يقفون على الحياد في الصراع الأزلي بين الحق والباطل”، أما ذكر تطوره إلى الجحيم، فلم يظهر إلا أثناء الصراع الممتد مع الاتحاد السوفيتي. في خطاب ألقاه مندوب لويزيانا ألكسندر باسونز في المؤتمر القاري للحرية: “كان لدانتي مكانٌ خاصٌ في جحيمه للمنافقين والمحايدين”، وأصبح اقتباس دانتي بسبب هذه الأحداث وارتباطه بالقضايا الكبرى جزءاً راسخاً في الحوار الشعبي الأمريكي ومنه إلى العالم. حتى أنك لتراه في أيٍ من مواقع الحكم وتطبيقات الاقتباسات منسوباً لدانتي
أمـا الحياد نفسه جوابًا على السؤال في بداية العنوان الفرعي، فهو على ثلاثة أنواع: الحياد المعرفي: وهذا لا حرج عليه ولا ضرر ومن قال لا أعلم فقد أفتى. والتوازن الزائف: هناك وجهتا نظر محترمتان، وهذا ضرب من ضروب العبث.. فإما أن ترجح -من وجهة نظري- وإما أن تقر بجهلك. يقول شوقي:
عش دون رأيك في الحياة مجاهدًا .. إن الحياة عقيدةٌ وجهادُ
والأخير هو الحياد الأخلاقي. وهو ما يقصده دانتي. لكنك ترى من التاريخ أن الاقتباس نفسه يستخدم لتطويع الأفكار على مقاس الشعوب..
أين المآل وكلها تنظير؟ طرق الوقاية من المنظرين الكبار
ضج الواقع والمواقع بحاملي لواء الليبرالية، السادة الهبيدة في كل شأن.. من سيصاب بوعكة أو سيصبح قعيدًا للفراش إذا لم يلجم لسانه عن الخوض في كل شأن. وهذا من مصائب العصر الحالي، أتاح للجهلاء أن يتملكوا أسماع الناس، وحبس الناس أنفسهم في أيديهم! حتى يُتاح للجهلاء أن يتملكوهم..
مبدئيًا؛ لا تبتئس إن أصبت بخديعة الخبثاء من المنظرين، وركنت إلى نصيحتهم، فلن تكون -أنا وأنت- أول المخدوعين، فقد خُدع أبوالبشر كلهم آدم عليه السلام من إبليس عليه اللعنة. ولعل إبليس أول المنظرين في الأرض.
ولتعلم أن الغريزة تخون، في سوق النصائح الذي لا حدود له. وإن أحسن ما يتبنى به الإنسان عقلية ترفض خديعة المنظرين خصوصًا ذوي الأذرع الطويلة، الذين يمدون أيديهم خارج نطاق تخصصهم الذي هم فيه مشهورون..
هو أن يبني الإنسان منظومة قيم وثوابت راسخة مرة واحدة بجهد حقيقي ودأب، فيعسر على المنظر أن ينفذ إليك من الفراغ، إلا لو بنيت حولك جداراً يمتد. وهذا مما لك أن تحدده، فمثلاً، لا تستقِ النصيحة المالية من غير المتخصص. فأنت حددت أنّ غير المتخصص غير مؤهل، فأي حديث منه يخضع من جهتك للتمحيص.
ومن النصائح التي تعين على هذا المسلك.
- حدود التخصص: هل المتكلم بارعٌ في مجاله؟ أم أن ذراعه الطويل يستحق القطع؟ لينوس بولينج حاز جائزتي نوبل، وروّج في نهاية حياته لفيتامين سي باعتباره علاجًا!
- التناظر بين السلطة والمسؤولية Skin in The game: على من يتخذ قرار يؤثر به على الناس، أن يتحمل تبعات قراره.. من يتحمل الثمن؟ فلا تلق بالا لمن ينصح غيره وهو نفسه غير متضرر والمصطلح اشتهر به نسيم طالب.
- اختبار اللقب: لو صدر هذا الكلام من شخص بلا لقب فكيف ستقرأه حينها؟
- الثوابت: الفراغ قاتل.. وقد يملئه أي من منظر بهرائه بسهولة، فالمنظر بارع في استغلال الفراغ.
ترشيحات لبناء منظومة قيم راسخة
1. التفكير السريع والبطيء — دانيال كانيمان الأساس. يشرح بالتفصيل كيف يخدعنا النظام الأول (العاطفي السريع) ويتجاوز النظام الثاني (التحليلي البطيء). بعد أن تقرأه لن تستطيع تسمع حجة مقنعة من غير ما ترفع حاجبيك تلقائيًا وتسأل: “هو ده تفكير ولا إحساس؟”
٢. فن الجدل والنقاش — شوبنهاور كتاب قصير وقاسٍ. يعدد ٣٨ حيلة بلاغية يستخدمها الناس للفوز في النقاش بصرف النظر عن الحق. فائدته الأساسية أنك حين تعرف الحيلة تصبح محصنًا منها، تراها وهي تُنفَّذ عليك في الوقت الفعلي.
٣. خرافة الميتافيزيقا — زكي نجيب محمود أهم كاتب عربي في هذا المسار. يُعلّم القارئ العربي تحديدًا أن يطلب من أي جملة أن تثبت معناها أولًا قبل أن يقبل صحتها. “ما لا يمكن التحقق منه ليس خاطئًا بل لا معنى له” — هذا المبدأ يُفرغ ٨٠٪ من التنظير الرنان.
٤. اللاتماثل ويعرف باسم آخر هو skin in the game — نسيم طالب سؤاله المركزي مباشر تمامًا: هل من يُنظّر عليك يتحمل عواقب كلامه؟ المستشار المالي الذي يخسرك مدخراتك ثم ينتقل لعميل آخر، والمثقف الذي يُنظّر في السياسة من مكتبه — نسيم طالب يُعلمك أن “السكين في اليد” شرط أساسي لأن تأخذ نصيحة أحد بجدية.
٥. فن التفكير الواضح — رولف دوبيلي ٩٩ خطأً معرفيًا موثقًا موضبة في فصول قصيرة. يصلح كمرجع يومي لا كتاب يُقرأ مرة واحدة. تحيز الناجين الذي حللناه في صورة بافيت — موجود فيه بالاسم والتفصيل.
تذكر دائمًا ألا تنجرف خلف العواطف أثناء قراءة أي محتوى يبدو قيمًا على النت؛
“المنظّر لا يبيع المعرفة، بل يبيع إشباعًا نفسيًا متنكرًا في هيئة معرفة.”
تعقيبات من القراء
قرأ المقال الأستاذ يونس بن عمارة، وتحدث عن تجربة الطبيب الأسترالي باري مارشال اعتراضًا على حُجية كلامي في سوء الاستشهاد بـ n = 1 “لا يجوز التعميم على تجربة وحيدة” وأنا لازلت على رأيي. وقد قام الطبيب الاسترالي بتناول مستعمرة بكتيريا ليثبت أنها تُسبب قرحة معدة.
أولا أحيي الطبيب على شجاعته، إلا أن المجتمع العلمي لم يقتنع رغم هذا إلا بالتجارب. ولو تناولنا الأمور من منظور الأحصاء:
SE = Standard Error, = Standard Deviation
في حالة العينة n =1 سيتساوى الانحراف المعياري مع الخطأ المعياري فلا يوجد أي يقين رياضي يعزل تأثير الدواء عن العشوائية. التجربة على عينة وحيدة غير كافيـة للحكم بشيء من الأساس.
جاء التعقيب الثاني من الدكتور “طبيب” يحيى صلاح المغربي؛ وهو مثقف رفيع الطراز، فقد قال:
فهمت فكرة النص العامة .. اختفاء اللي بيسموه epistemic hierarchies وتشتت العصر الرقمي
بس سامحني يا حامد حاسس النص بيطرح سؤال مركزي ومش بيفي قوي في إجابته لآخر
وصف المشكلة بس محللش أسبابها بشكل معمق كفاية ومش حاسس إن إجابة ليه الإنسان بيصدق الدجالين متجاوبة كفايةآه فكرة إنها اختيارات فردية شيء مهم، لكن انت مش بتتكلم عن حاجة زي attention economy
النص عمومًا فيه أفكار عظيمة مجزأة حاسس إن الربط بينها كان ممكن يكون أسلس
Epistemic Hierachies التي تحدث عنها هي نظرية المعرفة الهرمية
وكلام الأستاذ يحيى هنا لا غبار عليه، وهو نقد بنّاء معتبر، وله مقال بديع في موضوع شبيه (عن معسكرات العمل الرقمية) وهو أجود من مقالي.
هذا نوعية النقد والحوار التي أحب أن أراها في المحتوى العربي عمومًا، لذلك إن حصل وقرأت هذا المقال فتفاعل معه بالتعليق.. كل المفروض مرفوض، أثبت للعالم إنك موجود، كما قال أحدهم.