لا تتصل هذه الكلمات في عنوان النشرة ببعضها صدفًا، وليست كالمقال السابق مواضيع لا صلة بينها. بل لها صلة وثيقة، وأعدك أنها ليست كأشباه الرابط العجيب الذي كان على سبيس تون قديمًا..
كنت قد أنهيت خدمتي العسكرية في مارس من العام الحالي، وقلت في ذلك شعرًا:
وَدّعتُ عمرًا فيك غير ضروري
ورضيت بالمكتوب والمقدورِ
اليوم صار العسكريُّ مُحَرَّرًا
من كل قيدٍ من قيود الميري
اليوم يفتح كل أفْقٍ مغلقٍ
بابًا يحنّ لقلبي المسرورِ
![]()
والميري = الخدمة العسكرية. ومع انتهاء هذه الفترة؛ التي تلمح فيها مشاعري من ثَنيات الأبيات التي أعتز بها أيما اعتزاز.. كانت نهاية الترم الثاني في ماجستير الرياضيات التطبيقية الذي بدأته. لم أحبّ أن تنقضي تلك الفترة هباءً، وقد رأيت أن الموضوع على قدرٍ من الفائدة لمن يمر بهذه التجربة..
كيف تستفيد من فترة الجيش على أحسن وجه؟ (تجربة شخصية)
بدايةً كن مدركًا أن النتائج الفردية لا تُعمم.
أظن في فبراير أو نحوه في مرحلة الكشف الطبي; لقيت زميلا من أبناء بلدتي “مركزي للدقة” هناك، وقد أخبرني أنه سيتقدم للدراسات العليا “لإنه عايز كدا” أو أنه يحب أن يمتلك شهادةً عُليا. وعلى سخافة جوابه؛ إلا أنه شجعني، وقد تزامن مع توفر المبلغ اللازم، والدراسات العليا في مصر “بالنسبة لهندسة” رخيصة جدًا..جدًا للمصريين طبعًا.
المهم أني تقدمت في جامعة المنصورة؛ ثم ما لبست شهرًا أو نحوه، وانتقلت إلى رحلتي. وسأتجاوز تفاصيل رحلتي هناك؛ فهي لا تفيد.. لكنني يشاء الرب تبارك وتعالى أن أكون في قوات الامن؛ في المنصورة.. فكنت قريبًا من الجامعة؛ ولديّ إمكانية الاستئذان “ولم يمانع أحد في المعسكر أن أستأذن لقضاء الامتحانات أبدًا.
كنت أحمل معي بعض الكتب التي كنت اشتريتها من قبل؛ مع أوراق المحاضرات وأستأذن، وأحصل على تصريح وأمتحن.. وأرجع للمعسكر، والحمدلله أن الأمور تيسرت. فهذه طريقةً للاستفادة من الامتحانات.. لكن:
-
كنت محظوظًا “الأدق: وفقًا” في ظروف خدمة تسمح بهذا.
-
مكان قريب جدًا من الجامعة؛ حتى أن بعض الأحيان كنت أقضي خدمتي طوال الليل، ثم أذهب للامتحان مساءً، وأرجع لأكمل الخدمة في الليل.. أي لم أكن أنام فعليًا.
-
القسم الذي كنت فيه، والأساتذة الجامعيون كان متعاونين مع ومقدرين لظروفي.
-
كنت محظوظًا بوجود بعض الزملاء الذين لا يبخلون بمساعدتي.
-
كان أفراد الشرطة يشجعونني، ويحترمون أنني أدرس شهادةً عليا.. حتى الذي كان شديدًا منهم، كان يقدر فيّ هذا المسعى.
-
كان معايا واسطة.
فإن أردت أن تهلك نفسك في الميري وفي الأكاديميا معًا; ففكر كثيرًا قبل أن تُقدم على هذه الخطوة.
لماذا ماجستير الرياضيات؟ ومشاريعي القادمة!
كانت رغبتي هي الرياضيات أصلا.. لكن بسبب بعض التعقيدات الأسرية والمجتمعية والبازنجانية “البتنجانية” ذهبت إلى الهندسة، ولم أختر من التخصصات الثلاثة المتاحة أمامي إلا الهندسة المدنية؛ لعدم اقتناعي بـ اتصالات وعمارة. لأسباب لا أذكرها.
يسمح التعليم المصري في كليات الهندسة بدراسة الرياضيات والفيزياء “قسم الفيزيقيا الهندسية” عن طريق ترم تأهيلي ثم ترمين تمهيدي، ثم رسالة الماجستير. أما عن خطوة الماجستير; فقد توافرت الظروف الملائمة آنذاك:
-
تكلفة الفرصة البديلة معدومة.. سأنهي معظم التمهيدي + التأهيلي كاملا مع الخدمة العسكرية.
-
السعر رخيص.. رخيص جدًا.
-
تمنحني الرياضيات مرونة، تتوافق مع اهتماماتي العلمية العديدة.. فهي تقع في مركزها جميعًا.
-
الاستفادة من الخدمة العسكرية.
-
وجاهة الشهادة العليا “أره سبب منطقي، ولا بأس من التصريح به”
-
طفرة اهتمامات طارئة ببعض تخصصات الهندسة الدقيقة مثل الـFEM.
-
الماجستير عمومًا؛ فرصة لتحسين درجتي السيئة في البكالوريوس.. درجتي سيئةٌ بحقٍ.
-
فرصة للسفر..
وهذه الأسباب كافة تقع تحت طائلة الاحتمالات غير أنّ السبب الرئيسي نفسيٌ في المقام الأول. ولا مجال لإفشاءه ولا أحسبه يفيد القاريء بشيء.
أمّا عن المشاريع؛ فعلى مدونتي الشخصية كنت قد كتبت مقالا عن النهايات؛ ولكني حذفته فيما بعد.. أشعر أنني أؤذن في مالطا؛ بمحتواي هذا. لعلي أعيد صياغة المقال بالإنلجيزية، ونشره مرةً أخرى، تزامنًا مع رغبتي في مخاطبة العميل الأجنبي. فمجال مثل FEM لم يسمع به المهندسون المدنيون أصلا ناهيك عن رؤية أي تعامل به.. وأنا نفسي لم أبدأ تعلمه بجدية حتى الآن. وإن كنت قد درست بداياته النظرية في الماجستير في الترم الحالي.
الصندوق الأسود، والتجربة السوفيتية، ومشاريع أخرى!
من الأسباب الأخرى لدراسة الرياضيات غير شغفي بها، هي محاولة تفكيك الصندوق الأسود في الهندسة والعلوم، شيء أشبه بمشروع Better explained للمهندس المبدع خالد أزاد. وقد نويت مخاطبة الجمهور العربي، لكني غير واثق من المحتوى والجمهور على حد السواء، ولا أرى حاليًا عائدًا استثماريًا من هكذا مشروع.. ونصيحتي لك تعلّم الإنجليزية، والمواقع مثل موقع خالد أزاد كثيرة.
لكني على أملٍ قريبٍ أن أعد شيء للجمهور العربي.
عودة لموضوعنا الأول في محاولة تفكيك الصندوق الأسود.. طريقة FEM مثلا هي الأساس الذي تعمل به جميع برامج شركة CSI الرائدة في الهندسة الإنشائية مثلا. غير أن المهندس “في أي مكان في العالم” يكتفي غالبًا بتطبيق تعليمات الكود الهندسي، والمعادلات الأساسية دون وعيٍ رياضي، وهذا لا يعيبه في شيء أبدًا، فالأكواد والمعادلات تفي بالغرض؛ تمامًا كما لا يهم المبرمج دراسة الفيزياء.. بل حتى الفيزياء تحتاج رياضيات، والرياضيات تحتاج فلسفة.. وسندخل في دوامة من العبث..
لعلاج التشتت والدعبسة في التعلم:
تعمل طريقة FEM على تقسم المجال Discretization وتحويل المشكلة الفيزيائية إلى شبكة من العناصر المحدودة.. فتتحول المعادلة التفاضلية المكعبلة إلى كثيرة حدود مثلا في مسائل من النوع الـVariational المستخدمة مع مسائل التحليل الإنشائي بكثرة.. حيث يوجد في هنذا النوع functional “وليس function” ويُطبق فيه ميكانيكا لاجرانج، لتحليل التأثير في صورة الجهد لتلاشي تعقيد التأثيرات المختلفة على الوسط الفيزيائي.
طبعًا لحدوث هذا التقريب الجزئي، لا يحدث التقريب في الفضاء العادي R بل في فضاء سوبولوف المفتوح طبقًا لنظرية lax-Milgram التي امتحنت فيها بالأمس.
تفاصيل معقدة.. وأحسب أن الزملاء من أقسام ميكانيكا الذين يستخدمون برامج مثل ansys، لكن الأساس متشابه.. لا يعلمون بمفاهيم التحليل الدالي مثل فضاء سوبولوف وغيره.. وهذا لا يمنعهم من إنتاج شيء ذي قيمة.. فكما أسلفنا؛ أظن أن شركات السيارات والطائرات.. ومجالات النقل والمواصلات عمومًا “الشركات المصنعة” هي الأكثر اهتمامًا، حتى أنها تمول فرصًا بحثية للدكتوراه في المجال.
طيب ما علاقته بروسيا؟
العلاقة غير مباشرة؛ مفاهيم التحليل الدالي مفاهيم معقدة، وأظن أن المدرسة الروسية تبرع في هذه النواحي.. سهّل الاتحاد السوفيتي الوصول للمعرفة المتقدمة “نسبيًا” في الفيزياء والرياضيات عن طريق المسابقات والمدارس التقنية، فخلق رياضيين من الطراز الرفيع مثل جالركين الذي تستخدم طريقته في الـFEM أو كلموغوروف في الاحتمالات أو قبلهم ماركوف مثلا “تساهم نظرياته بشكل كبير في الذكاء الاصطناعي الحالي، وخوارزميات البحث على الويب مثل جوجل”
لذلك، كنت أرى أن المراجع الروسية تحقق للباحث أساسًا صلبًا، تماشيًا مع منهجية الحدس الهندسي “الفيزيائي” كما ورد عن فلاديمير أرنولد في كتابه On Teaching Mathematics
“Mathematics is a part of physics. Physics is an experimental science. Mathematics is the part of physics where experiments are cheap.”
أو بالترجمة:
“الرياضياتُ جزءٌ من الفيزياء، والفيزياءُ علمٌ تجريبي؛ وما الرياضياتُ إلا ذلك الشقُّ من الفيزياء الذي تكون فيه التجاربُ زهيدةَ التكلفة.”
وقد جاء ردًا على المدرسة الفرنسية Bourbaki التي تبدأ بالتجريد، أو الأصح؛ تبالغ في التجريد.
غير أن الهدف المنشود من التجريد في نظر أرنولد هو الذي يعطيك leverage “رافعة، أو نقطة تأثير”
كل مستوى من الفهم والتجريد له تكلفة إضافية، يكفيك أن تمتلك نقطة تأثير مناسبة؛ مثال من مجالنا:
[1] الطبقة العملية: المهندس → يضغط F5 في SAP2000 ويأخذ النتيجة
[2] طبقة النماذج: يفهم جودة الشبكة، أنواع العناصر، شروط الحدود
[3] طبقة الخوارزمية: يفهم تجميع مصفوفة الصلابة، اختيار المحلّ
[4] طبقة الرياضيات: الصياغة الضعيفة، طريقة Galerkin، تقديرات الخطأ
[5] طبقة التحليل: فضاءات سوبوليف، نظرية Lax-Milgram
[6] طبقة الفلسفة: ما معنى "الحل"؟ ما معنى التقارب؟
خلق العصر نفسه ازدهارً بين الروس؛ وساهم حتى في تطوير برمجيات الفضاء فالروس أول من وصل للفضاء “الأمريكان أول من وصل للقمر”.. لكننا على النقيض في مصر؛ لا ندرك أهمية الرياضيات “حتى على المستوى الجامعي” بل أظن أن الصين مثلا في نفسها الطويل في سباق الذكاء الاصطناعي تعتمد على عقول بارعة في الرياضيات.
ولا أحسب أن التجربة الروسية يمكن أن تُعمم بيسر؛ فقد كانت مزيجًا نادرً من النخبة المستعدة للمساهمة في المجتمع، ونظام على مثالبة قد امتلك رؤية.. ولو كانت مشوهة في بعض نواحيها..
وقد يمكن للعصر أن يكون استثنائيًا بقدر الأشخاص.. كما يقول الباحث الأمريكي إيرك هويل.
سبب ذكري أننا في مصر لا نعي هذه الأهمية؛ أنني كنت قد دخلت في نقاش قبلها تعليقًا على النهايات وكيف صِيغت فيما بعد بطريقة صحيحة بديهية على يد كوشي وفايراستراس، نهايات دلتا وإيبسلون.. مقابل النموذج الديناميكي نموذج الـكميات المتناهية في الصغر لنيوتن مثلا.
وسبب الجدل أن قيمة التفاضل عند نيوتن هي نفسها… فما قيمة النهاية؟
الجواب جاء تاريخيًا في انتقادات القس بيركلي.. في كيف نقسم على dx التي تساوي صفر “في تعريف المشتقة” ثم نجعلها تؤول للصفر عند التعويض؟ أسمى هذا الظاهرة “أشباح الكميات الراحلة”.. والحقيقية أن التعريف اللاحق: دلتا وإيبسلون تعريف عبقري:
لا يحاول قياس شيء متناهي الصغر. بدلاً من ذلك، هو يطرح “لعبة منطقية”: أعطني أي مسافة خطأ مقبولة epsilon، وسأضمن لك وجود مسافة delta حول النقطة c تجعل الدالة لا تتجاوز هذا الخطأ. لا يوجد قسمة على صفر، ولا يوجد كميات سحرية تختفي.
وهو الموضوع الذي كنت أحاول المساهمة فيه؛ ولكن لأسباب عدة قد ذكرت بعضها في طيات المقال؛ لم أوفق لهذا.
حقيقة؛ أسعد بأي تعليق أو تجاوب مع المقال.. أحب أن تلقى كلماتي صدى لدى المنتفعين.